السيد كمال الحيدري

120

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

الثاني بقوله : وَلا رَطْب وَلا يابِس إلّا فِي كِتاب مُبين « 1 » ، وأمّا الموجودات الأُخرى فكلّ ما في الوجود من العلويات والسفليات ، فإنّه بنفسه كتابٌ إلهيٌّ ومصحفٌ ربّاني لانتقاشه بصور كلمات الله وآياته جزئياً كان أو كليّاً ، ولأحكامه المسطورة عليه وأحواله الحادثة لديه بقلم المشيّة والتقدير ، وذلك لأنّ الوجود الإضافي الإمكاني ، كتابٌ كلّيٌ مسطور بنقوش الموجودات والمخلوقات كلّها ، وكلّ واحد من تلك الموجودات ، إمّا بمثابة الكتاب أو الكلمات أو الحروف كما مرّ ذكره ، وعلى الكلّ يصدق أنّه كتابٌ إلهيٌّ ومصحفٌ ربّانيّ ، ولقد أشار القرآن إلى هذا الوجود الوجداني المنتقش بصور الموجودات بقوله : وَالطُّورِ * وَكِتاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور « 2 » . أمّا عالم الأنفس فهو جزءٌ من عالم الآفاق بوجه كما يرى الآملي ، وهو أيضاً - لو لوحظ في ذاته - كتابٌ يشتمل على كلمات وحروف وآيات ، وهو الكتاب الجامع لكلّ الكتب ، والنسخة العظمى والصحيفة الكبرى ، وليس أدلّ على ذلك من قوله تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً « 3 » ، لأنّ معناه : « إقرأ كتابك الجامع لجميع هذه الكتب لتعرف يقيناً أنّك نُسخته العظمى وصحيفته الكبرى ، ولست في مشاهدته محتاجاً إلى كتاب غيرك ، وذلك لأنّك من حيث روحك الجزئي الذي هو صورة كتابك المجمل بمثابة العقل الأوّل الذي هو أُمّ الكتاب ، لإحاطته بالأشياء إجمالًا كما مرّ ذكره ، ومن حيث قلبك

--> ( 1 ) الأنعام : 59 . ( 2 ) الطور : 1 - 3 . ( 3 ) الإسراء : 14 .